فكرة التفرد والتميز ليست وليدة العصر الحالي؛ فهي منذ بزوغ فجر البشرية وهي أساس كل ناجح وكل فكرة ناجحة، نستطيع القول إن التفرد والتميز والبحث عنهما هما نزعة وفطرة بشرية، ولكن فكرة تحتيم وجوبية التفرد والتميز في كل صغيرة وكبيرة من الأمور اليومية هي وليدة العصر الحالي، والتي أضحى كثير من الناس، وقد يكون هناك بعض الناجحين يدعون لها بطريقة تحقّر وتسقط البشر، وتسفه أحلامهم وجهودهم، هي بحق فكرة ساقطة عن المنطق، فالشخص الناجح لا يمكن أن ينجح وهو يعيش في بيئة ومجتمع لا يملك المادة والأخلاق لذلك، والمادة والسمو الأخلاقي لا توجد إلاَّ في دول تملك قوانين حازمة صارمة وحكم قوي مسيطر، والدولة لا يمكن لها الوقوف على قدميها وتسيير أمورها اليومية التي إن لم تستطع فعلها فهي بالأحرى والأجدر أن تكون دولة متأخرة عن بقية الدول، ولكن من يستطيع القيام بهذه الأمور اليومية غير البشر العاديين، بالتأكيد ذلك الذي يطلب التميز والتفرد في كل شيء لن يستطيع فعلها كل يوم؛ لأن التفرد والتميز يحتاج إلى وقت قد تكون حتى سنين بل عصور، بل أمم كاملة، فلولا النمطيون ما وجد المتميزون.
في بادئ كل ذي بِدء انبثقت الملاك غريبة كزهرة تزهر في عتمة الليل بكل شاعريةٍ وجمال، في أرضٍ كانت في ظلامها كالنملة في بطن الليل على الصخرة السوداء، ثم كانت ومعها نورها كالشمس تلقي بحقيقتها على أرض الظلام، فانفتن الشيطان الذي كان وما كان في جسده إلا سراديب السواد والظلام، من حقيقة هذا القلب النهَّام، الذي على كل ملذة آثمة همَّام، وكان على جبلٍ من صخورٍ حِمام تخرج منها أنهار اللظى تورد موارد الهلاك وتضيء بضوئها سماء عالم الأنام. فانطفئ الضوء، وجفت أنهار السقام، مخبرةً الشيطان بزهرة الملذات والمبتغات، الذي كان ينتظرها بكل حسرة ألف ألفٍ من الأعوام، فارتصد لها كل مرصدٍ سبعون ألف عام، وهو يرتشف لُعابه الذي كان يحرق الأرض لمَّا يسقط عليه وكأنه لعاب السلسبان، والسلسبان ضربٌ من ضروب أفاعي شياطين الظلام ، سوداء كأنها الليلة الليلاء، ببعض الحُمرة كأن النار تسعر على جلدها، لها ثلاثة أنياب: ناب السم، وناب الشيطنة، وناب السقام. بعد السبعين من الأزمان، وحروق الأرض من اللُعاب، نهدت الملاك وكانت كاللؤلؤ الحسان، على ثغرها يسيل ريق النحل، وعلى مراسيم البدن يرتسم بكل البرهان، إبداع صنع رب الجنان، فقال الشي...
تعليقات
إرسال تعليق